أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

26

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

يكون معنى الفعل في من الليل . قال الشيخ : « أما الوجه الأول فهو بعيد ، لأن الأصل أن يكون العامل في الحال هو العامل في ذي الحال ، العامل في « مِنَ اللَّيْلِ » هو الاستقرار « وأغشيت » عامل في قوله « قِطَعاً » الموصوف بقوله : « مِنَ اللَّيْلِ » أو كائنة من الليل في حال إظلامه » . قلت : ولا يعني الزمخشري بقوله : إنّ العامل « أُغْشِيَتْ » إلا أنّ الموصوف وهو « قِطَعاً » معمول ل « أُغْشِيَتْ » والعامل في الموصوف هو العامل في الصفة ، والصفة هي « مِنَ اللَّيْلِ » فهي معمولة ل « أُغْشِيَتْ » ، وهي صاحبة الحال ، والعامل في الحال هو العامل في ذي الحال فجاء من ذلك أن العامل في الحال هو العامل في صاحبها بهذه الطريقة ، ويجوز أن يكون « قطع » جمع : قطعة أي : اسم جنس لها فيجوز حينئذ وصفه بالتذكير نحو « نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ » ، والتأنيث نحو : « نَخْلٍ خاوِيَةٍ » . وأما قراءة الباقين فقال مكي وغيره : « إن مظلما » . حال من « اللَّيْلِ » فقط ، ولا يجوز أن يكون صفة ل « قِطَعاً » ولا حالا منه ، ولا من الضمير في « مِنَ اللَّيْلِ » ، لأنه كان يجب أن يقال فيه : مظلمة قلت : يعنون أن الموصوف حينئذ جمع ، وكذا صاحب الحال ، فتجب المطابقة ، وأجاز « 1 » بعضهم ما منعه هؤلاء وقالوا : جاز ذلك ، لأنه في معنى الكثير ، وهذا فيه تعسف ، وقرأ أبيّ : « يغشي وجوههم قطع » بالرفع « مظلم » وقرأ ابن أبي عبلة كذلك ، إلا أنه فتح الطاء وإذا جعلت « مُظْلِماً » نعتا ل « قِطَعاً » فتكون قد قدمت النعت غير الصريح على الصريح ، قال ابن عطية : فإذا كان نعتا يعني : « مُظْلِماً » نعتا ل « قطع » فكان حقه أن يكون قبل الجملة ، ولكن قد يجيء بعد هذا وتقدير الجملة : قطعا استقر من الليل مظلما على نحو قوله : وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ . « 2 » قال الشيخ « 3 » : « ولا يتعين تقدير العامل في المجرور بالفعل فيكون جملة بل الظاهر تقديره باسم الفاعل ، فيكون من قبيل الوصف بالمفرد والتقدير : قطعا كائنا من الليل مظلما » . قلت : المحذور تقديم غير الصريح على الصريح ، ولو كان مقدرا بمفرد ، و « قِطَعاً » منصوب ب « أُغْشِيَتْ » مفعولا ثانيا . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 28 إلى 30 ] وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ ( 28 ) فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ ( 29 ) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 30 ) قوله : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ . يوم منصوب بفعل مقدر أي : خوفهم أو ذكرهم يوم ، والضمير عائد على الفريقين ، أي : الذين أحسنوا والذين كسبوا و « جَمِيعاً » حال ، ويجوز أن يكون تأكيدا عند من عدها من ألفاظ التأكيد . قوله : مَكانَكُمْ هو اسم فعل ففسره النحويون ب « أثبتوا » فيتحمل ضميرا ، ولذلك أكد بقوله : « أَنْتُمْ » وعطف عليه « شُرَكاؤُكُمْ » ، ومثله قول الشاعر :

--> ( 1 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 150 ) . ( 2 ) سورة الأنعام آية ( 92 ) . ( 3 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 150 ) .